الثاني: أن لا يرى فرض كفاية أهم من المناظرة, فإن رأي ما هو أهم وفعل غيره: عصى بفعله, وكان مثاله مثال من يرى جماعة من العطاش أشرفوا على الهلاك وقد أهملهم الناس وهو قادر على إحيائهم بأن يسقيهم الماء: فاشتغل بتعلم الحجامة، وزعم أنه من فروض الكفايات ولو خلا البلد عنها لهلك الناس!!! , وإذا قيل له في البلد جماعة من الحجامين وفيهم غنية: فيقول هذا لا يخرج هذا الفعل عن كونه فرض كفاية.
فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمة بجماعة العطاش من المسلمين: كحال المشتغل بالمناظرة وفي البلد فروض كفايات مهملة لا قائم بها] (1) .
فنصّ_ رحمه الله_ على أن من اشتغل بفرض كفاية مع عدم تفرغه من فرض العين: أنه كذاب, وإن زعم أن قصده: الحق!.
كما نص_ رحمه الله_ على أن من اشتغل بفرض كفاية مع تركه لفرض كفاية أهم منه في حقه: أنه عاص لله, وإن ظن نفسه على طاعة.
وتأمّل قوله_ رحمه الله_: [فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمة بجماعة العطاش من المسلمين: كحال المشتغل بالمناظرة وفي البلد فروض كفايات مهملة لا قائم بها] .
فكيف بحال من يشتغل بفرض كفائي ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمة بعامة الأمة من تسلط أعدائها عليها, واستباحتهم لها بالكفر والفساد المسلط على البلاد والعباد؟!.
هذا والمتروك_ في كلام الغزالي_: فرض كفاية, فكيف إذا كان المتروك فرضَ عين؟!!!.
ـ وقد قال القرافي_ رحمه الله_ وهو يتحدث عن مسألة تعارض الواجبات وما يُقدّم منها وما يؤخر:
[يُقدّم فرض الأعيان على الكفاية لأن طلب الفعل من جميع المكلفين: يقتضي أرجحية على ما طلب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره: أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره] (2) .
(1) "إحياء علوم الدين 1/ 56".
(2) "الفروق 2/ 203".