أما سقوط الواجب لمصلحة في الدنيا, وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا، كسقوط الصيام لأجل السفر, وسقوط محظورات الإحرام, وأركان الصلاة لأجل المرض فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج ] (1) .
ــ وهذه الموازنات الدينية بين المصالح, والمفاسد لها تَعلقٌ خاص بالقتال إذ القتال_ إجماعًا_ لم يشرع لذاته, وإنما شرع لغيره من: إقامة الدين_ ورأسه: تحقيق التوحيد: بصرف العبادة لله وحده, والبراءة من الشرك وأهله_, ونفي الفتنة, ودفع الفساد .
قال ابن عابدين_ رحمه الله_: [ الجهاد ليس إلا للإيمان, وإقامة الصلاة, فكان حسنًا لغيره ] (2) .
ونص_ أيضًا_ على أن المقصود من الجهاد: [ هو إخلاء الأرض من الفساد ] (3) .
وقال السرخسي_ رحمه الله_: [ المطلوب بالجهاد: إعزاز الدين, ودفع فتنة الكفر ] (4) .
وقال ابن الهمام_ رحمه الله_: [ المقصود منه: ليس مجرد ابتلاء المكلفين بل إعزاز الدين, ودفع شر الكفار عن المؤمنين ] (5) .
ـ وفي تقعيد ذلك يقول الشاطبى_ رحمه الله_:
[ لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك لأنه مقصود الشارع, فإذا كان الظاهر موافقًا والمصلحة مخالفة: فالفعل غير صحيح, وغير مشروع لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها, وإنما قصد بها أمور أخرى هى معانيها, وهى المصالح التى شرعت لأجلها ] (6) .
ــ وأهل الطائفة المنصورة في إعمالهم لميزان المصالح, والمفاسد في القتال: يتقيدون بالشرع, فالمصلحة: ما ثبت كونه مصلحة في دين الله, والمفسدة: ما ثبت كونه مفسدة في دين الله, فالمرجع عندهم هنا للشرع لا للرأي المجرد, والهوى .
والمصلحة المعتبرة عندهم: هي المصلحة العائدة على الإسلام, والدعوة إليه, والتمكين له, لا غير .
(1) "الفتاوى20/53: 54".
(2) "الحاشية4/120".
(3) "المرجع السابق".
(4) "المبسوط10/70".
(5) "شرح فتح القدير5/439".
(6) "الموافقات2/385".