ولهذا كان الجهاد: سنام العمل, وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة, ففيه: سنام المحبة كما في قوله: {فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} , وفيه: سنام التوكل, وسنام الصبر, فإن المجاهد: أحوج الناس إلى الصبر, والتوكل, ولهذا قال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} , وقال موسى لقومه: {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} .
ولهذا كان الصبر, واليقين اللذين هما أصل التوكل: يوجبان الإمامة في الدين كما دل عليه قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} .
ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التى هى محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ؛ فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى, ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك, وأحمد بن حنبل, وغيرهما:"إذا اختلف الناس في شئ: فانظروا ماذا عليه أهل الثغر, فإن الحق معهم لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ".
وفى الجهاد_ أيضًا_: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا, وفى الدار الدنيا, وفيه_ أيضًا_: حقيقة الإخلاص, فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة, ولا في سبيل المال, ولا في سبيل الحمية, وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله, ولتكون كلمة الله هى العليا, وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس, والمال للمعبود كما قال تعالى: {إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} ] (1) .
ــ وبعد أن ذكرنا هذه المسألة الهامة, بقي معنا هنا: تنبيهان؛ فنقول_ بعون الله وتوفيقه_:
(1) "الفتاوى 28/ 441: 443".