وقد علّق الجصاص_ رحمه الله_ الحكمَ هنا على مجرد الخوف من العدو, فكيف بتحقق هذا الخوف, واستيلاء العدو بالفعل على البلاد, والعباد؟! , بل وكيف بمرور السنوات الطوال على هذا الاستيلاء مع السعي في الأرض بالفساد, وفتنة العباد.
قال ابن عابدين_ رحمه الله_:[وعبارة الدرر: وفرض عين إن هجموا على ثغر من ثغور الإسلام, فيصير فرض عين على من قرب منهم وهم يقدرون على الجهاد.
ونقل صاحب النهاية عن الذخيرة: أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يَقرب من العدو, فأمّا من وراءهم ببعد من العدو: فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه إذا لم يُحتج إليهم, فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا: فإنه يفترض على من يليهم فرض عين: كالصلاة, والصوم لا يسعهم تركه ثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام: شرقًا, وغربًا على هذا التدريج, ونظيره الصلاة على الميت: فإن من مات في ناحية من نواحي البلد فعلى جيرانه, وأهل محلته أن يقوموا بأسبابه, وليس على من كان يبعد من الميت أن يقوم بذلك, وإن كان الذي يبعد من الميت يعلم أن أهل محلته يضيعون حقوقه أو يعجزون عنه: كان عليه أن يقوم بحقوقه كذا هنا] (1) .
وذكر ابن جزي_ رحمه الله_ مواضع تعين الجهاد, فقال: [أحدها: أمرُ الإمامِ, فمن عيّنه الإمام: وجب عليه الخروج, الثاني: أن يَفجأ العدو بعض بلاد المسلمين: فيتعين عليهم دفعه, فإنْ لم يقدروا: لزم من قاربهم فإن لم يستقل الجميع: وجب على سائر المسلمين حتى يندفع العدو, الثالث: استنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفار] (2) .
وقال ابن حزم_ رحمه الله_: [إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين: ففرضٌ على كل من يمكنه إعانتهم: أن يقصدهم مغيثًا لهم] (3) .
(1) "الحاشية 4/ 123: 124".
(2) "القوانين الفقهية 1/ 97".
(3) "المحلى 7/ 292".