قال ابن القيم_ رحمه الله_: [ فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم, ومخالفتهم, وتكذيبهم لله ورسوله؛ فكيف يسوغ لمن يدّعي الإيمان أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب, وتخطيء على أن لا يعدل فيهم بل يجرّد لهم العداوة, وأنواع الأذى ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله وما جاء به منه علمًا, وعملًا, ودعوةً إلى الله على بصيرة, وصبرًا من قومهم على الأذى في الله, وإقامةً لحجة الله, ومعذرةً لمن خالفهم بالجهل ] (1) .
وهؤلاء النفر_ وإن خالفهم مخالف_ فلهم من حقوق الإسلام بحسب ما هم عليه من الإيمان علمًا وعملًا, ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [ والصواب أن يُحمد من حال كل قوم ما حمده الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة، ويُذم من حال كل قوم ما ذمه الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة ] (2) .
وقال_ كذلك_: [ ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور: مذمومًا, معيبًا, ممقوتًا، فهو: مخطئ, ضال, مبتدع ] (3) .
ــ فكيف, والقوم ما قاموا إلا بما أوجبه الشرع عليهم, وهم أسعد بالدليل, وأشدّ اتباعًا له من المتكلم فيهم كما أنهم ما خرجوا إلا لإعلاء كلمة الله والتمكين لدينه, وقد علم القاصي والداني: صدق نواياهم, وخلوص قصدهم, ولنا ظاهرهم وحسابهم على الله, وهذا مع ما شهد به العدو قبل الصديق من بذلهم أنفسهم, وأموالهم نصرةً لهذا الدين, وإعزازًا له, وتحملهم في سبيل ذلك من الابتلاء ما الله وحده به عليم ؟!!! .
كما أن المتكلم في هؤلاء القوم_ وإن خالفهم فيما ذهبوا إليه_ يَعلم يقينًا أنهم يغيظون أعداء الله وهم شجى في حلوقهم, فكان الكلام فيهم: إعانة عليهم لمن لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة من أعداء الملة والأمة .
(1) "بدائع الفوائد2/392: 393".
(2) "الاستقامة1/221".
(3) "الفتاوى11/15".