ـ وفي قوله تعالى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ... } ، {وألقي السحرة ساجدين ... } : نكتة لطيفة: حيث بُني الفعل {ألقي} للمجهول وكأن هناك قوة خارجة عن ذواتهم لا يملكون لها ردًا ألقت بهم سُجدًا لله وحده، وهذه القوة: هي قوة اليقين الذي لا يخالطه أدنى ريب وشك: اليقين الذي يتساوى فيه الغيب بالشهادة، وهي قوة تسلب العبدَ إرادته على جوارحه، وأعماله، فتكون هي المسيطرة، المتحكمة وإن كان هو في الظاهر: العامل، الفاعل: {ألقي السحرة ساجدين} ، فليس له معها حيلة إلا الاستجابة.
وهذا ما حدث تمامًا مع السحرة: {فألقي السحرة سجدًا} ، {وألقي السحرة ساجدين} : حيث هجم عليهم الحق هجومًا لم يستطيعوا معه دفعًا وقد بهرهم بنوره، وأسرهم بسلطانه: فمَلك عليهم مشاعرَهم، وأخضع نفوسَهم لسطوته بغير اختيار منهم: فانتفضت قلوبُهم للحق رغمًا عنهم، وسُلبت منهم الإرادة_ وهم من جاء لدحض الحق, والصدّ عنه_: فانطلقت جوارحُهم بغير حيلة, وفكر لتعبر عن هذا اليقين الآسر للعقول، والأنفس، والقلوب: فكان سجود الجوارح إذعانًا للحق وخضوعًا بعد أن سجدت قبل ذلك القلوب!!!.
ــ ومن اللطائف هنا: أن الآيات المحكمات الآمرة باتباع شريعة الله, والتحاكم إليها وحدها: جاءت مذيّلة بوصف اليقين لمن أذعن, وخضع, ورأى أن حكم الله أحسن الحكم.