فهرس الكتاب

الصفحة 1815 من 2063

ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله، وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرةً، ويُدال عليهم أخرى لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا: دخل معهم المؤمنون, وغيرهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائمًا: لم يحصل المقصود من البعثة, والرسالة (1) ، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين: ليتميز من يتبعهم, ويطيعهم للحق، وما جاؤوا به ممن يتبعهم على الظهور, والغلبة خاصة ...

ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت: دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبّب لعباده محنةً ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون روؤسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبّآتهم، وعاد تلميحهم تصريحًا, وانقسم الناس إلى كافر، ومؤمن, ومنافق انقسامًا ظاهرًا، وعَرف المؤمنون أن لهم عدوًا في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم: فاستعدّوا لهم، وتحرزوا منهم.

قال الله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} , أي: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميّزهم بالمحنة يوم أحد, وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يُميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا، فيقع معلومه الذي هو غيبٌ شهادةً ...

(1) تأمّل؛ فالمقصود من البعثة, والرسالة لا يحصل إلا بعلو أهل الإسلام باليد, والسيف, والسنان على الكفر, وأهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت