نعم, إنهم يجب أن يقيموا الصلاة، وأن يرتلوا القرآن، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء ولكن هذه العبادة وحدها: لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها؛ إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة, والذخيرة التي يدخرونها للموقعة، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى, والإيمان, والاتصال بالله.
لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة؛ فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر, وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة؛ عندئذ: تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها, ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة, ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه, وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.
والأمة التي تقوم على دعوة الله: في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفز كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها كي يتم نموها، ويكمل نضجها، وتتهيّأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها.
والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هينًا, لينًا على القاعدين المستريحين: يُعطل تلك الطاقات عن الظهور لأنه لا يحفزها, ولا يدعوها.
وذلك فوق أن النصر السريع, الهين, اللين: سهلٌ فقدانه وضياعه؛ أولًا: لأنه رخيص الثمن لم تُبذل فيه تضحياتٌ عزيزة, وثانيًا: لأن الذين نالوه لم تُدرب قواهم على الاحتفاظ به, ولم تحشد طاقاتهم, وتشحذ لكسبه, فهي لا تتحفز, ولا تحتشد للدفاع عنه.