وقد بينّا آنفا أن العلم الشرعي من صفات الطائفة المنصورة بل من أهم صفاتها بل هو أساس قيامها بأمر الله, ولازم هذا الذي لا ينفك عنه: وجود أهل العلم إذ وجود العلم: وجود أهله, وذهاب العلم: ذهاب أهله .
وأهل العلم هؤلاء: هم القائمون بفرض الكفاية منه, ونصوص الأئمة في بيان هذه المرتبة الكفائية من العلم, وبيان مفرداتها: كثيرة جدًا, منها:
ـ قال الإمام الشافعي_ رحمه الله_ بعد بيان النوع الأول من العلم، وهو فرض العين منه, قال:
[ قال: فما الوجه الثاني ؟ .
قلت له: ما ينوبُ العبادَ من فروع الفرائض، وما يُخصُّ به من الأحكام وغيرها، ممّا ليس فيه نصُ كتاب، ولا في أكثره نصُ سنةٍ، وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هى من أخبار الخاصّة لا أخبارِ العامّة، وما كان منه يحتملُ التأويلَ, ويُستدركُ قياسًا .
قال: فيعدو هذا أن يكون واجبًا وجوب العلم قبله أو موضوعًا عن الناس علمُه، حتى يكون مَن عَلِمَه مُنتفلًا, ومن ترك عِلمه غير آثم ٍ بتركه أو من وجه ثالثٍ، فتوجدناهُ خبرًا أو قياسًا ؟ .
فقلت له: بل هو من وجه ثالثٍ.
قال: فصفه واذكر الحجَّة فيه، ما يلزمُ منه، ومن يلزمُ، وعن مَّن يسقطُ ؟ .
فقلت له: هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامةُ، ولم يُكلفها كل الخاصَّة، ومن احتمل بلوغها من الخاصة: فلا يسعهم كلهم كافةً أن يُعطلوها، وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية: لم يحرج غيره ممن تركها_ إن شاء الله_، والفضلُ فيها لمن قام بها على من عطلها.
فقال: فأوجدني هذا خبرًا أو شيئًا في معناه، ليكون هذا قياسًا عليه ؟ .
فقلت له: فرض الله الجهاد في كتابه وعلى لسان نبيه، ثم أكد النفير من الجهاد فقال: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون، وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من اللهِ، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم } .