والأصل: أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه, فمتى أمكن إقامتها مع أمير: لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم بعدد, ومن غير سلطان: أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها: لم يدفع بأفسد منه, والله أعلم ] (1) .
ـ وإن كان ذلك واجبًا عند تقصير الإمام وتضييعه لهذه الحدود: فلا شك أن الوجوب يزداد ويتضاعف عند غيبة الإمام, وعدمه بالكلية عند تحقق مناط الوجوب من القدرة مع رجحان المصلحة على المفسدة .
وللشَّوكاني_ رحمه الله_ كلام هام جدًا هنا, حيث قال تعليقًا على قول صاحبِ"حدائق الأزهار":"وتجبُ إقامتُها_ أي: الحدود_ في غيرِ المسجدِ على الإمامِ وواليه، إنْ وقع سببها في زمان ومكان يليه".
قال الشوكاني: [ هذا مبنيٌ على أنّ الحدود إلى الأئمة، وأنه لا يُقيمُها غيرُهم على مَنْ وجبتْ عليه، وليس على هذا أثارةٌ منْ علم, ولا شك أن الإمام ومنْ يلي منْ جهته: هم أولى من غيرهم كما قدمنا، وأمّا أنّه لا يُقيمها إلاّ الأئمة، وأنّها ساقطةٌ إذا وقعت في غير زمن إمام أو في غير مكان يليه: فباطلٌ, وإسقاطٌ لما أوجبه الله من الحدود في كتابِه، والإسلامُ: موجودٌ، والكتابُ والسنةُ: موجودان، وأهلُ العلمِ والصَّلاحِ: موجودون؛ فكيف تُهْمَلُ حُدُودُ الشَّرعِ بمجرد عدم وجُود واحد من المسلمين ؟!!! ] (2) .
وقد قال إمام الحرمين الجويني_ رحمه الله_: [ وقد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة ...
إلى قوله:
(1) "الفتاوى34/175: 176".
(2) "السيل الجرار4/311", وقد تأوّل بعض الأفاضل كلام الشوكاني_ رحمه الله_ بتحكم صرف يرده ظاهر الكلام بيقين مع عدم الحاجة لذلك, ومع أن كلام الشوكاني: هو عين كلام ابن تيمية السابق .