قال النووي_ رحمه الله_ بعد أن قرر أن الإنكار في دقائق الأقوال, والأفعال إنما هو لأهل العلم دون غيرهم, قال:[ ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أمّا المختلف فيه (1) : فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم (2) .
وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد، والمخطئ: غير متعين لنا, والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه_ على جهة النصيحة_ إلى الخروج من الخلاف: فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق, فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر .
وذكر القاضي أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي في كتابه الأحكام السلطانية (3) خلافًا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد أم لا يغير ما كان على مذهب غيره, والأصح أنه لا يغير لما ذكرناه .
ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم_ رضي الله عنهم أجمعين_, ولا ينكر محتسب ولا غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي, ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا, والله أعلم ] (4) .
(1) أي: المختلف فيه من مسائل الاجتهاد لا مطلق الاختلاف, وهذا واضح من كلامه_ رحمه الله_ بعد ذلك, وقد سبق الكلام عن الإنكار في مسائل الاختلاف, فيجب التفريق بين"مسائل الاختلاف"التي يكون القول فيها مخالفًا للنص أو الإجماع أو القياس الجلي, وبين"مسائل الاجتهاد"التي ليس فيها شيء من ذلك .
(2) أي: من المتكلمين, أما غير هم من الفقهاء, والمحدثين, فجماهيرهم على أن المصيب واحد وقد مر معنا ما فيه الكفاية من ذلك, وأنه قول الصحابة, وفعلهم .
(3) انظر:"الأحكام السلطانية للماوردي/392".
(4) "شرح مسلم2/23: 24".