كما أنه إن زنى مراراً قبل إقامة الحد عليه كفاه حد واحد إجماعاً، وإن زنى بعد إقامة الحد عليه لزمه حد آخر، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وممن قال بأنه يكفيه هدي واحد مطلقاً: مالك، وإسحاق، وعطاء.
والأصح في مذهب الشافعي: أنه يلزمه في الجماع الأول بدنة، وفي كل مرة بعد ذلك شاة. وعن أبي ثور: تلزمه بكل مرة بدنة، وهو رواية عن أحمد.
وعن أبي حنيفة: إن كان ذلك في مجلس واحد. فدم واحد وإلا فدمان. [1]
وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا كرر الإنسان المحظور من جنس ولو أكثر من مرة ولم يفد فإنه يفدي مرة واحدة، لكن بشرط أن لا يؤخر الفدية لئلا تتكرر عليه بحيث يفعل المحظور مرة أخرى فيعاقب بنقيض قصده لئلا يتحيل على إسقاط الواجب.
مثال: أن يقلم مرتين، أو يلبس مخيطاً مرتين، أو يحلق مرتين، أو يباشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد، فإن عليه فدية واحدة إذا لم يفد، قياساً على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد فيكفيه وضوء واحد. اهـ. [2]
باب
إذا وطاء بعد جمرة العقبة عليه دم. [3]
(1) المجموع.
(2) الشرح الممتع (3/ 254) .
(3) قال ابن قدامة: ومن وطاء قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجهما، وعليه بدنة إن كان استكرهها، ولا دم عليها. وهذه المسألة ثلاثة فصول: (الفصل الأول) أن الوطء قبل جمرة العقبة يفسد الحج، ولا فرق ما قبل الوقوف وبعده، وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: إن وطاء بعد الوقوف لم يفسد حجه لقول النبي «من أدرك عرفة فقد تم حجه» ولأنه أمن الفوات فأمن الفساد، كما بعد التحلل الأول. ولنا: إن رجلاً سأل ابن عباس وعبدالله بن عمرو فقال: وقعت بأهلي ونحن محرمان. فقالا له: أفسدت حجك» ولم يستفصلوا السائل. رواه الأثرم، ولأنه وطء صادف إحراماً تاماً فأفسده. كقبل الوقوف، ويخالف ما بعد التحلل الأول فإن الإحرام غير تام، والمراد من الخبر الأمن من الفوات، ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد، وبدليل العمرة يأمن فواتها ولا يأمن فسادها. قال أحمد: لا أعلم أحداً قال: إن حجه تام غير أن أبي حنيفة يقول: «الحج عرفات. فمن وقف بها فقد تم حجه» وإنما هذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» أي أدرك فضل الصلاة ولم تفته. كذلك الحج. إذا ثبت هذا: فإنه يفسد حجهما جميعاً. لأن الجماع وجد منهما، وسواء في ذلك الناس والعامد والمستكرهة والمطاوعة والمستيقظة. عالماً كان الرجل أو جاهلاً، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يفسد حج الناسي. لأنه معذور، ولنا: إنه معنى يوجب القضاء فاستوت فيه الأحوال كلها كالفوات، ولا فرق بين ما بعد يوم النحر أو قبله. لأنه وطاء قبل التحلل الأول ففسد حجه، كما لو وطاء يوم النحر. أنه يلزمه بدنة، وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن وطاء قبل الوقوف فسد حجه وعليه شاة، وإن وطاء بعده لم يفسد حجه وعليه بدنة. لأن الوطء قبل الوقوف معنى يتعلق به وجوب القضاء. فلم يوجب بدنة كالفوات. ولنا: إنه قد روي عن عمر ابن عباس مثل قولنا، ولأنه وطء صادف إحراماً تاماً فأوجب البدنة كما بعد الوقوف، ولأن ما يفسد الحج الجناية به أعظم، فكفارته يجب أن تكون أغلظ، وأما الفوات فإنهم يوجبون به بدنة. فكيف يصح القياس عليه. إنه لا دم عليها في حال الإكراه، وهو قول عطاء، ومالكن والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي: عليها دم آخر. لأنه قد فسد حجها. ==
== فوجبت البدنة كما لو طاوعت. ولنا: إنها كفارة تجب بالجماع، فلم تجب على المرأة في حال الإكراه، كما لو وطاء في الصوم، ولنا: إنه جماع أوجب الغسل. فأوجب بدنة كالوطء في الفرج، وفي فساد حجه بذلك روايتان: إحداهما: يفسد. اختارها الخرقي وأبو بكر، وهو قول عطاء والحسن والقاسم بن محمد ومالك وإسحاق لأنها عبادة يفسدها الوطء فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصيام. وإن وطئها بطل خيارها علمت بالخيار أو لم تعلم. نص عليه أحمد وهو قول من سمينا في صدر المسألة، وذكر القاضي وأصحابه: أن لها الخيار وإن أصيبت ما لم تعلم فإن أصابها بعد علمها فلا خيار لها، وهذا قول عطاء، والحكم، وحماد، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، لأنها إذا أمكنت من وطئها قبل علمها فلم يوجد منها ما يدل على الرضا فهو كما لو لم تصب. المغني على مختصر الخرقي (3/ 211 و 285) (6/ 510) .