أعلاها وخرج من أسفلها، وجاء مفسراً في حديث ابن عمر رضي الله عنه في الصحيحين قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كَداء من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وكذلك ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كَداء وخرج من كُداء، فهذا موضع دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فقد دخلها من أعلاها من جهة كَداء وهو ما يُعرف الآن بالحجون ومن جهة المعلاة التي هي مقبرة أهل مكة من هذا الطريق دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهناك ضابط لطيف ينبغي للإنسان أن يعرفه بين كَداء وكُدا فيقال: افتح وادخل واضمم واخرج، يعني أنه إذا أردت أن تعرف من أين دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو دخل من كَداء بالفتح وخرج من كُدا بالضم.
مسألة: هل كان دخوله صلى الله عليه وسلم مكة من هذا الطريق لأمرٍ يختص به أي على سبيل التعبد والتقرب، أو حصل منه ذلك اتفاقاً لأنه هو الطريق المتيسر له؟
الجواب: انقسم العلماء في هذه المسألة إلى فريقين: منهم من يرى أن هذا حصل من النبي - صلى الله عليه وسلم - اتفاقاً لأن هذا الطريق هو الأيسر له، فكل إنسان يدخل إلى الحرم من الطريق الأيسر له فمن كان من جنوب مكة دخل من جنوبها وإذا كان من شمالها دخل من شمالها بحسب ما يتفق له.
ومنهم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من هذا الطريق لقصدٍ فيه أو لأمرٍ يختص به، فينبغي لكل داخل إلى مكة حتى وإن جاء من جنوبها أو من شرقها أو من غربها أن يدخل من الطريق الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ ابن عثيمين: الأفضل أن يدخلها في أول النهار لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ضحى، ولكن إذا لم يتيسر له ذلك فليدخلها على الوجه الذي يتيسر له. من أعلاها، أي - يدخلها- من أعلى مكة من الحجون.
وقال: أنه يسن قصد الدخول من أعلاها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها من أعلاها، ولكن الذي يظهر: أنه يسن إذا كان ذلك أرفق دخلوه. اهـ. [1]
وقال أبو بكر ابن المنذر: دخولها نهاراً أحب إليّ، ولا بأس بدخولها ليلاً. [2]
باب
الاغتسال لدخول مكة
وهناك أمر آخر ينبغي للإنسان أن يعلمه وهو: أنه يستحب لداخل مكة أن يغتسل، فقد ثبت هذا في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا
(1) الشرح الممتع (3/ 280) .
(2) كتاب الإشراف لابن المنذر (3/ 268) ، دار المدينة.