والمراد من ذلك: ما هو مقرر عند أهل العلم قاطبةً من مراعاة تحقيق أعظم المصالح, ودفع أعظم المفاسد عند تعارض المصالح سواء مع بعضها البعض وعدم إمكان الجمع بينها أو عند تعارض المصالح مع المفاسد حال إنزال الأحكام الشرعية على الواقع ممّا يُعرف بفقه الموازنات.
ـ وقد دلّ على هذا الأصل: جملة من نصوص الشرع؛ منها:
* قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله فَيَسُبُّوا الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] .
قال القرطبي_ رحمه الله_:[فيه خمس مسائل, الأولى: قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} : نهى: {فيسبوا الله} : جواب النهي, فنهى سبحانه المؤمنين أن يسبوا أوثانهم لأنه علم إذا سبوها: نفر الكفار, وازدادوا كفرًا, قال ابن عباس: قالت كفار قريش لأبي طالب: إما أن تنهى محمدًا وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها, وإما أن نسب إلهه, ونهجوه: فنزلت الآية.
الثانية: قال العلماء: حكمها باقٍ في هذه الأمة على كل حال, فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يُسبّ الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل: فلا يَحل لمسلم أن يَسُبّ صلبانهم, ولا دينهم, ولا كنائسهم, ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية] (1) .
ودلالة الآية على ما نحن فيه: ظاهرة حيث نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عن سب آلهة الكفار مع كونه أمرًا مشروعًا, وفيه_ بلا شك_ مصلحة لكون هذه المصلحة معارضة بمفسدة أرجح منها, فكانت الآية أصلًا في وجوب الموازنة بين المصلحة المرجوة من العمل, والمفسدة التي قد تعارضها.
(1) "تفسير القرطبي 7/ 61".