فالمؤمن إذا كان بين الكفار, والفجار: لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه: بلسانه، وإلا: فبقلبه مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه: إما أن يظهر دينه، وإما أن يكتمه، وهو مع هذا: لا يوافقهم على دينهم كله بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وهو لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه بل كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين: شيء، وإظهار الدين الباطل: شيء آخر، فهذا: لم يبحه الله قط إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر ] (1) .
ـ وحتى في حالة الإكراه الملجيء هذه: فإن الإجماع منعقد بغير تردد على أن الأخذ بالعزيمة هنا: أفضل, وأحب إلى الله, وكل هذا: تعظيمًا لهذا الأمر, وتنويهًا بخصوصيته .
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_: [ قال ابن بطال: وكلهم أجمعوا على أن من أكرِهَ على الكفر, فاختار القتل: أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة ] (2) .
وقال القرطبي_ رحمه الله_: [ الثامنة عشرة: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر, فاختار القتل: أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة ] (3) .
ــ ونختم الكلام في بيان أن تحقيق التوحيد نفيًا, وإثباتًا: أعظم المصالح بإطلاق, وأن دعوى تحقيق مصلحة الدعوة بالاستهانة بأمر التوحيد, والتلبس بضده من الشرك: هو عين الفساد في الأرض بل هو أساس كل شر, وفساد بكلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى: { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ } [ الأعراف: 56 ] .
(1) "منهاج السنة3/260".
(2) "فتح الباري12/ 317".
(3) "تفسير القرطبي10/ 188".