جرت سنة الله في خلقه وبين عباده على أن الحق لا بد له من قوة تحميه وتنصره وإلا فقدَ محله من العقول والقلوب, ومن دنيا الناس مهما كانت حججه وبراهينه ساطعة سطوع الشمس ليس دونها سحاب .
ولهذا كان دين الله الحق يقوم على الكتاب, والسيف, وكان الجمع بين اللسان والسنان في الدعوة إلى الله: منهج سيد الأنبياء والمرسلين, ومنهج ورثته, ومن استن بسنته, واتبع هديه, وهو من ثم: منهج أهل الطائفة المنصورة الذي شهد به النص وقرره, وحض عليه, وأمر بلزومه .
ــ ولقد قرنَ الشرع بين العلم والجهاد في غير موضع, وجعلهما: عماد هذا الدين وقوامه:
* قال تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } [ التوبة: 122 ] .
قال ابن القيم_ رحمه الله_:[ فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين، أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء: أهل الجهاد وأهل العلم، فالنافرون: يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون: يحفظون العلم للنافرين، فإذا رَجَعُوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار مَنْ سمعه مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهنا للناس في الآية قولان، أحدهما: أن المعني: فهلاَّ نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة، فيكون المعني في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد لأن الطائفة لا يجب أن تكون عَدَد التواتر .
والثاني: أن المعني فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدةُ, وتنذر النافرة للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح، لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وإذا اسْتُنْفِرْتم فانفروا"] (1) .
(1) "إعلام الموقعين2/233".