فهرس الكتاب
وخرج كثير من الناس خفافًا وثقالًا: يتحملون بأهليهم وأولادهم_ والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون_, وجعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد, والمشقة على الدواب والرقاب, وقد ضعفت الدواب من قلة العلف مع كثرة الأمطار, والزلق, والبرد الشديد, والجوع, وقلة الشيء, فلا حول ولا قوة إلا بالله .
واستهل جمادي الأولى: والناس على خطة صعبة من الخوف, وتأخّر السلطان, واقترب العدو, وخرج الشيخ تقي الدين ابن يتيمة_ رحمه الله تعالى_ في مستهل هذا الشهر_ وكان يوم السبت_ إلى نائب الشام في المرج: فثبتهم, وقوى جأشهم, وطيّب قلوبهم, ووعدهم النصر والظفر على الأعداء, وتلا قوله تعالى: { ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور } , وبات عند العسكر ليلة الأحد ثم عاد إلى دمشق, وقد سأله النائب والأمراء أن يركب على البريد إلى مصر يستحث السلطان على المجيء: فساق وراء السلطان, وكان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة, وتفارط الحال, ولكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة, وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته: أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه, ويستغله في زمن الأمن, ولم يزل بهم حتى جُردت العساكر إلى الشام, ثم قال لهم: لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه, واستنصركم أهله: وجب عليكم النصر, فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه, وهم رعايتكم, وأنتم مسئولون عنهم, وقوى جأشهم, وضمن لهم النصر هذه الكرة: فخرجوا إلى الشام, فلما تواصلت العساكر إلى الشام: فرح الناس فرحًا شديدًا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم .
ثم قويت الأراجيف بوصول التتر, وتحقق عود السلطان إلى مصر, ونادى ابن النحاس متولي البلد في الناس: من قدر على السفر فلا يقعد بدمشق: فتصايح النساء, والولدان, ورهق الناس ...