ولهذا قال: { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ، أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه كما في نظائره من القرآن وغيره كما في قوله: { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم } .
وقوله: { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } : من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء كما في قوله تعالى: { أصحاب الجنة يومئِذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا } ، وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ, وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم قال تعالى: { وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيرًا فخير, وإن شرًا فشر ] (1) .
وقال الشيخ السعدي_ رحمه الله تعالى_:[ { ولا يجرمنكم } ، أي: لا يحملكم: { شنآن قوم } ، أي: بغضهم، {على أن لا تعدلوا } : كما يفعله من لا عدل عنده, ولا قسط بل كما تشهدون لوليكم: فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم: فاشهدوا له، فلو كان كافرًا أو مبتدعًا: فإنه يجب العدل فيه وقبول ما يأتي به من الحق لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله فإن هذا ظلم للحق .
{ اعدلوا هو أقرب للتقوى } : أي كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم فإن تم العدل كملت التقوى ] (2) .
* وعن جابر_ رضي الله عنه_، قال:"أفاء الله خيبر على رسوله صلى الله عليه وسلم: فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة: فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر اليهود، أنتم أبغض الناس إليّ؛ قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله عز وجل، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم: فلكم، وإن أبيتم: فلي ."
(1) "تفسير ابن كثير2/31: 32".
(2) "تفسير السعدي/138".