* ويوم اليمامة في قتال الصحابة المرتدين كان زيد بن الخطاب_ رضي الله عنه_ يحمل راية المسلمين حتى قُتلَ, ووقعت الراية: فأخذها سالم مولى أبي حذيفة, فقال المسلمون: يا سالم, إنا نخاف أن نؤتى من قبلك ! .
فقال_ رضي الله عنه_ كلمته الخالدة, التالدة التي نصبها راية لأهل العلم, والمنتسبين إليه:"بئس حامل القرآن أنا إنْ أتيتم من قبلي !" (1) .
ــ أمّا الفصل بين العلم والجهاد, والدعوة باللسان والدعوة بالسنان: فحاشا أن يكون منهج الطائفة المنصورة إذ هو فصامٌ نكد, وطامة كبرى, وبدعة منكرة, ودَخَلٌ في الدين أوْرَثَ ما يُدمي القلب, ويُدمع العين, ويَملأ النفوس: حسرةً, وأسى .
ـ وقد كان"السلف الصالح"_ محل الأسوة, والنموذج القدوة_: صنّاعَ مجد الإسلام بالعلم, والجهاد اقتداءً بِمَنْ إذا احمرت الحدق, واشتد الهول: يَحتمي به أمثال علي بن أبي طالب_ رضي الله عنه_ !!! .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، وصاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم: رأى كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان, وكمال الدين .
ثم منهم من غلَّب الدين وأعرض عمّا لا يتم الدين إلا به من ذلك .
ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضًا عن الدين لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة, والذل لا في محل العلو, والعز .
وكذلك لما غلب على كثير من أهل الدينَيْن (2) : العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء: استضعف طريقتَهم, واستذلها من رأي أنه لا تقوم مصلحته, ومصلحة غيره بها .
وهاتان السبيلان الفاسدتان: سبيل من انتسب إلى الدين, ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان, والجهاد, والمال .
(1) "المستدرك للحاكم3/252","الجهاد لابن المبارك/98","الاستيعاب لابن عبد البر2/551","الطبقات الكبرى3/377".
(2) أي: اليهود, والنصارى .