فهرس الكتاب
ــ ويوضح ذلك, ويؤكده: أن الباطل وإن كان مسلطًا على الحق بالعداوة, والبغضاء تسليطًا قدريًا: فإن الحق مُسلطٌ على الباطل بالعداوة, والبغضاء تسليطًا شرعيًا, دينيًا أمر الله به, وأوجبه, وأحبه بل وجعله ذروة سنام التمسك بالحق, والقيام به .
* قال الله تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم وممّا تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده } .
قال الشيخ حمد بن عتيق_ رحمه الله_: [ وها هنا نكتة بديعة في قوله: { إنا برءاء منكم وممّا تعبدون من دون الله } , وهي أن الله تعالي قدّم البراءة من المشركين العابدين غير الله علي البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم .
وهذا كقوله تعالى: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسي ألا أكون بدعاء ربي شقيًا } , فقدّم اعتزالهم علي اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } , وقوله: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله } .
فعليك بهذه النكت، فإنها تفتح بابًا إلي عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلمًا بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين .
ثم قال: { كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده } , فقوله: { بدا } , أي: ظهر, وبان .
وتأمّل تقديم العداوة علي البغضاء لأن الأولي أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة, والبغضاء، ولا بد_ أيضًا_ من أن تكون العداوة, والبغضاء: باديتين, ظاهرتين, بينتين .