وقال ابن دقيق العيد_ رحمه الله_: [ القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره, وإخماد الكفر، ودحضه, ففضيلته: بحسب فضيلة ذلك, والله أعلم ] (1) .
ــ قلت: وتأمّل فقه مراتب الأعمال, ومنزلة الجهاد منه عند أحد أئمة الطائفة المنصورة الأعلام, وهو الإمام الكبير, العَلَم, الفذ: عبد الله بن المبارك_ رحمه الله, ورضي عنه_:
قال الحافظ ابن كثير_ رحمه الله_: [ روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم ابن أبي سكينة, قال: أملي عليّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرطوس, وودعته للخروج, وأنشدها معي إلى الفضل بن عياض في سنة سبعين ومئة, وفي رواية: سنة سبع وسبعين ومئة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
قال: فلقيتُ الفضيلَ بن عياض بكتابه في المسجد الحرام, فلمّا قرأه: ذرفت عيناه, وقال: صدق أبو عبد الرحمن, ونصحني ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث ؟ .
قال: قلت: نعم .
قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا, وأملى عليّ الفضيلُ بن عياض: حدثنا منصور عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله, علمني عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله .
فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر, وتصوم فلا تفطر ؟ .
(1) "فتح الباري6/5".