فهرس الكتاب
قال الجصاص_ رحمه الله_: [لما ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: وجوب فرض الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وبينا أنه فرض على الكفاية, إذا قام به البعض: سقط عن الباقين: وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه: البر, والفاجر لأن ترك الإنسان لبعض الفروض: لا يسقط عنه فروضًا غيره ألا ترى أن تركه للصلاة: لا يسقط عنه فرض الصوم, وسائر العبادات؛ فكذلك من لم يفعل سائر المعروف, ولم ينته عن سائر المناكير: فإن فرض الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر غير ساقط عنه] (1) .
* وقد قال تعالى عن بني إسرائيل: {كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} .
قال القرطبي_ رحمه الله_:[قال حذاق أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليمًا عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضًا.
وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهي بعضهم بعضًا, واستدلوا بهذه الآية, قالوا: لأن قوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} : يقتضي اشتراكهم في الفعل, وذمهم على ترك التناهي] (2) .
ـ وقد قال القرطبي_ رحمه الله_ أيضًا_: [وليس من شرط الناهي أن يكون عدلًا عند أهل السنة خلافًا للمبتدعة حيث تقول لا يغيره إلا عدل, وهذا: ساقط, فإن العدالة: محصورة في القليل من الخلق, والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: عام في جميع الناس] (3) .
وقال النووي_ رحمه الله_: [قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلًا ما يأمر به, مجتنبًا ما ينهى عنه بل عليه الأمر وإن كان مخلًا بما يأمر به, والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما: كيف يباح له الإخلال بالآخر؟!] (4) .
(1) "أحكام القرآن 2/ 320".
(2) "تفسير القرطبي 6/ 253: 254".
(3) "تفسير القرطبي 4/ 47: 48".
(4) "شرح مسلم 2/ 23".