ـ فهذا كله يدل على استمرارية قتال هذه الطائفة إلى أن يأتي أمر الله, وأن القتال صفة ملازمة لها وإن لم يوجد إمام.
والجهاد عند أهل الطائفة المنصورة مثله مثل إقامة الحدود: الأمر فيهما_ابتداءً_ للإمام, فإن قصّر الإمام أو عُدمَ بالكلية: لم يسقط وجوب ذلك على المسلمين.
قال الإمام ابن قدامة_ رحمه الله_: [وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك] (1) .
ــ وهنا ملاحظات هامة:
ــ الملاحظة الأولى:
أن البعض ذهب إلى أن استئذان الإمام الشرعي حال وجوده: مستحب غير واجب, ومعنى ذلك: عدم القول بحرمة الخروج للغزو, وطلب العدو في داره بغير إذن الإمام, وإنما غايته: الكراهة لا التحريم.
ـ وهو قول الشافعية, قال الإمام الشافعي_ رحمه الله_:
[وإذا غزا المسلمون بلاد الحرب, فسرت سرية كثيرة أو قليلة, بإذن الإمام أو بغير إذنه: سواء ولكني استحب أن لا يخرجوا إلا بإذن الإمام لخصال ...
وأمّا أن يكون ذلك يَحرم عليهم: فلا أعلمه يحرم] (2) .
وقال في"المهذب": [فصل: ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو الأمير من قبله, لأن الغزو على حسب حال الحاجة, والإمام, والأمير: أعرف بذلك, ولا يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس, والتغرير بالنفس: يجوز في الجهاد] (3) .
ـ وأما الحنابلة فلهم في المسألة أقوال:
قال المرداوي_ رحمه الله_:
[قوله: ولايجوز الغزو إلا بإذن الأمير إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه.
هذا المذهب نص عليه, وعليه أكثر الأصحاب, وجزم به في الوجيز, وغيره, وقدمه في الفروع, وغيره.
وقال المصنف في المغني: يجوز إذا حصل للمسلمين فرصة يُخاف فوتها, وجزم به في الرعاية الكبرى, والنظم.
وقال في الروضة: اختلفت الرواية عن أحمد, فعنه: لا يجوز, وعنه يجوز بكل حال ظاهر أو خفية, جماعة أو آحادًا, جيشًا أو سرية.
(1) "المغني 9/ 166".
(2) "الأم 4/ 242".
(3) "المهذب 2/ 229".