فقال بنوه: يرحمك الله؛ قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر_ رضي الله عنه_ حتى مات، ومع عمر_ رضي الله عنه_، فنحن نغزو عنك .
فأبى: فجهزوه فركب البحر: فمات، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه فيها إلا بعد سبعةِ أيام فلم يتغير: فدفنوه فيها" (1) ."
*"وأسند الطبري عمّن رأى المقداد بن الأسود_ رضي الله عنه_ بحمص على تابوت صراف, وقد فضل على التابوت من سمنه, وهو يتجهز للغزو، فقيل له: لقد عذرك الله ."
فقال: أتت علينا سورة البعوث: { انفروا خفافًا وثقالًا } " (2) ."
*"وخرج الإمام العلم سعيد بن المسيب_ رحمه الله_ إلى الغزو, وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل."
فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب: كثرت السواد، وحفظت المتاع" (3) ."
قال القرطبي_ رحمه الله_:[ قال العلماء: فعذر الحق سبحانه: أصحاب الأعذار, وما صبرت القلوب (4) : فخرج ابن أم مكتوم إلى أُحد, وطلب أن يُعطي اللواء: فأخذه مصعب بن عمير, فجاء رجل من الكفار: فضرب يده التي فيها اللواء: فقطعها, فأمسكه باليد الأخرى: فضرب اليد الأخرى, فأمسكه بصدره, وقرأ: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } .
هذه عزائم القوم، والحق يقول: { ليس على الأعمى حرج } , وهو في الأول: { ولا على الأعرج حرج } , وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار: أعرج, وهو في أول الجيش قال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الله قد عذرك".
فقال: والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة ] (5) .
(1) "الجهاد لابن المبارك/89"،"الزهد للإمام أحمد/ 251".
(2) "تفسير القرطبي8/151"، وانظر:"الجهاد لابن المبارك/88".
(3) "حلية الأولياء1/13".
(4) لأنها قلوب سليمة لم تلوثها الشبهات, ولم تدنسها الشهوات, ولم تفتنها الألقاب: فنفروا رغم أنهم ممّن عذر الله .
(5) "الجامع لأحكام القرآن8/226".