وقال القرطبي_ رحمه الله_: [ قال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وحده: لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك: فهو مكروه لأنه عرّض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين, فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه: فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه, وإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين في الدين: فلا يبعد جوازه؛ وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله, وتوهين الكفر: فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: { إِنَّ اللهَ اْشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ } إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه, وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] (1) .
ــ كما أجاز الفقهاء للمسلمين الثبات إن كان العدو أكثر من ضعفهم:
قال ابن قدامة_ رحمه الله_:[ وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر: فالأولى لهم الثبات لما في ذلك من المصلحة, وإن انصرفوا: جاز لأنهم لا يأمنون العطب ...
وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة, والنجاة في الانصراف: فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا: جاز لأن لهم غرضًا في الشهادة, ويجوز أن يَغلبوا أيضًا ] (2) .
فتأمّل قوله:"وإن ثبتوا جاز لهم لأن لهم غرضًا في الشهادة, ويجوز أن يغلبوا أيضًا"بعد أن قال:"وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة, والنجاة في الانصراف: فالأولى لهم الانصراف":
تتحقق أن القدرة شرط وجوب لا شرط صحة, وإلا لما أجاز ابن قدامة لهم الثبات مع كون الغالب على ظنهم أنهم يَهلكون في الإقامة, وينجون في الانصراف, ومع تسليم ابن قدامة أن الأولى لهم الانصراف .
(1) "الجامع لأحكام القرآن2/364".
(2) "المغني9/255".