قال ابن السبكي: وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمر: فائتوا منه ما استطعتم", وبها ردّ أصحابنا على أبي حنيفة قوله: إن العريان يصلي قاعدًا, فقالوا: إذا لم يتيسر ستر العورة: فلم يسقط القيام المفروض, وذكر الإمام: أن هذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة؛ وفروعها: كثيرة ... ] (1) .
قلت: وهذه القاعدة:"الميسور لا يسقط بالمعسور": (ترجع لقاعدة: القدرة على بعض الأصل) (2) , وهي ما يُعنْون له العلماء بقولهم:"البعض المقدور عليه: هل يجب؟" (3) .
والضابط العام الذي وضعه البعض هنا_ وإن لم يكن مطردًا_: هو أن كل أصل ذي بدل: فالقدرة على بعض الأصل لا حكم لها, وسبيل القادر على البعض كسبيل العاجز عن الكل, وإن كان لا بدل له: لزم الميسور منه, والمراد بالبدل: ما يُؤدّى به ما يُؤدّى بالأصل (4) .
ومعلوم أن الجهاد_ خاصة عند تعينه_ لا بدل له.
قال العز بن عبد السلام_ رحمه الله_: [إنّ من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه, وعجز عن بعضه: فإنه يأتي بما قدر عليه، ويَسقط عنه ما يعجز عنه] (5) .
ــ وهذه الحالة_ حالة نزول العدو بلاد المسلمين_ هي أشد حالات تعيّن الجهاد كما أشرنا من قبل, والخطب فيها جسيم, والهول عظيم, ولذا تُعرف: بـ"النفير العام"إذ الأمة كلها مستنفرة لدفع العدو الصائل مَنْ كان من أهل الجهاد, ومَنْ لم يكن من أهله من ولد, وعبد, وفقير, ومدين بل وإمرأة: فوجب الدفع بالممكن وإن كان هذا الممكن هو أقل القليل, وهذا ما قرره العلماء, ونصوا عليه:
(1) "الأشباه والنظائر/159".
(2) "المنثور في القواعد للزركشي 3/ 198".
(3) "المرجع السابق 1/ 227".
(4) انظر:"نفس المرجع 1/ 232".
(5) "قواعد الأحكام 2/ 5".