أما قوله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } في حق المعرضين عن الاستجابة لما دعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم, ومن ذلك الجهاد: فهو الغاية في الوعيد الذي تنخلع معه القلوب, والأفئدة إن كان بها حياة .
ــ فليست المشكلة_ إذًا_ تعليق الجهاد بالقدرة والاستطاعة_ وإن اختلف حول ضابطها_ ولكن المشكلة هي في جعل عدم القدرة, والاستطاعة تكأةً لترك الجهاد والقعود عنه بالكلية إذ صاحب النية الصادقة في الجهاد الذي عقد عزيمته عليه: يستحيل أن يترك أي عمل يرفع العجز, ويحقق القدرة والاستطاعة المرجوة, فهو في سعي لا يعرف الكلل, وجهد لا يعرف الملل للوصول لما يُمَكّنه من القيام بفريضة الله الغائبة .
غير أن واقع الكثيرين الذي لا يخطئه ناظر يدل على غير ذلك بل يدل على عكسه تمامًا ممّا يجعل الحال يشكك في المقال, وأن الحديث المستمر عن القدرة, والاستطاعة كشرط للجهاد_ مع القعود الكامل عن الإعداد المادي بل ومع الانشغال التام عنه_ لا يعدو كونه مخرجًا للنفس أو ذريعةً للقعود, وهذا ليس من اتهام النيات في شيء وإنما هو من محاكمة الظاهر لمن قوله فصل ليس بالهزل: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا عدة} ؛ فأمرُ الإعداد لا يخطر للكثيرين على بال, ولا يراودهم في خاطر أو خيال .
* وتأمّل قوله سبحانه وتعالى في وصف حال من عجز عن الجهاد حالًا: { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ } [ التوبة: 91_92 ] .