ـ وهذا ممّا يُضاعف وجوب الجهاد بالمال على الأغنياء كما يُضاعف الإثم في حق المانعين منهم إذ حَبْسُ المال هنا: صدٌ عن سبيل الله, وإعلاءٌ لكلمة الكفر على كلمة الله, وخذلان ظاهر للدين.
* قال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
[البقرة: 195] .
قال القرطبي_ رحمه الله_: [روى البخاري عن حذيفة: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} , قال:"نزلت في النفقة", وروي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران, قال:"غزونا القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد, والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة, فحمل رجل على العدو, فقال الناس: مه, مه, لا إله إلا الله, يلقي بيديه إلى التهلكة!."
فقال أبو أيوب: سبحان الله, أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار, لمّا نصر الله نبيه, وأظهر دينه, قلنا: هلم نقيم في أموالنا, ونصلحها:
فأنزل الله عز وجل: {وأنفقوا في سبيل الله} الآية, والإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا, ونصلحها, وندع الجهاد.
فلم يزل أبو أيوب مجاهدًا في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية, فقبره هناك, فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة: هو ترك الجهاد في سبيل الله, وأن الآية نزلت في ذلك.
وروي مثله عن حذيفة, والحسن, وقتادة, ومجاهد, والضحاك ...
وقال حذيفة بن اليمان, وابن عباس, وعكرمة, وعطاء, ومجاهد, وجمهور الناس: المعنى: لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله, وتخافوا العيلة, فيقول الرجل: ليس عندي ما أنفقه.
وإلى هذا المعنى: ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره, والله أعلم.
قال ابن عباس:"أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص, ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئًا".