فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 2063

ولمّا عزم عليهم: لجوا, وارتكبوا العصيان, وقالوا له: { اذهب أنت وربك فقاتلا } , وما ذلك إلا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة, والمطالبة كما تقتضيه الآية, وما يؤثر في تفسيرها, وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد, وما رئموا من الذل للقبط أحقابًا حتى ذهبت العصبية منهم جملة مع أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان بما أخبرهم به موسى من أن الشام لهم, وأن العمالقة الذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدّرة لهم, فأقصروا عن ذلك, وعجزوا تعويلًا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة لما حصل لهم من خلق المذلة وطعنوا فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك, وما أمرهم به .

فعَاقَبَهم اللهُ بالتِّيه، وهو أنهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران, ولا نزلوا مِصْرًا, ولا خالطوا بشرًا كما قَصَّه القرآن لغلظة العمالقة بالشام, والقبط بمصر عليهم، لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه .

ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة, وهى: فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل, والقهر, والقوة, وتخلقوا به, وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه: جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام, والقهر, ولا يُسام بالمذلة، فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها ] (1) .

ـ قلت: وكلامه_ رحمه الله_ لا يتعدى كونه تقريرًا, وتحليلًا, وعرضًا لواقع أمة الإسلام اليوم إلا من رحم الله, ويُعلم بهذا: أن إطفاء شعلة الجهاد, وجذوته في الأمة: هو في حقيقة الحال, وبالنظر للمآل: إسلامٌ لهذه الأمة لأعدائها طيّعةً ذليلةً, وحسبنا الله ونعم الوكيل في هؤلاء الذين شغفوا بالحديث عن فتنة الجهاد, ومفاسده, ولم ينبسوا ببنت شفة عن فتنة ترك الجهاد, ومفاسد القعود عنه, والله الموعد ! .

وما أصدق قول شوقي:

وَمِنَ العُقولِ جَداوِلٌ وَجَلامِد وَمِنَ النُفوسِ حَرائِرٌ وَإِماءُ

(1) "المقدمة/141".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت