فلما رأى التجار عظمة المشتري, وقدر الثمن, وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه, ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد: عَرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السلع, فرأوا من الخسران البين, والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة: تذهب لذتها, وشهوتها, وتبقى تبعتها وحسرتها, فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء: فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاءً, واختيارًا من غير ثبوت خيار, وقالوا: والله لا نقيلك, ولا نستقيلك ) (1) .
ــ فلله درّ المجاهدين أهل الطائفة المنصورة يوم هانت عليهم أنفسُهم: فبذلوها, ولله درّهم يوم أن سمت أرواحُهم على الأوهاق, والأوهام: فأسلموها لخالقها, ولله درّهم يوم أن علوا على الدنيا وزخرفها, وأسْرِها: فجادوا بها يوم أن أسَرت غيرَهم وقهرتهم, فهم لها: عبيد مطاويع لا يملكون لحكمها ردًا: صورةٌ بلا معنى, أشباحٌ بلا أرواح, وإن كانت الدعاوى .
وكأنّ أبا فراس الحمداني يُعبّر عن حال المجاهدين مع شانئيهم, ويتكلم بلسان كل واحد منهم حين قال:
وَقالَ ( القاعدون ) (2) الفِرارُ أَوِ الرَدى فَقُلتُ هُما أَمرانِ أَحلاهُما مُرُّ
وَلَكِنَّني أَمضي لِما لايُعيبُني وَحَسبُكَ مِن أَمرَينِ خَيرَهُما الأَسرُ
يَقولونَ لي بِعتَ السَلامَةَ بِالرَدى فَقُلتُ أَما وَاللَهِ ما نالَني خُسرُ
وَهَل يَتَجافى عَنِّيَ المَوتُ ساعَةً إِذا ما تَجافى عَنِّيَ الأَسرُ وَالضَرُّ
هُوَ المَوتُ فَاِختَر ما عَلا لَكَ ذِكرُهُ فَلَم يَمُتِ الإِنسانُ ما حَيِيَ الذِكرُ
وَلا خَيرَ في دَفعِ الرَدى بِمَذَلَّةٍ كَما رَدَّها يَومًا بِسَوءَتِهِ عَمروُ
سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ
فَإِن عِشتُ فَالطَعنُ الَّذي يَعرِفونَهُ وَتِلكَ القَنا وَالبيضُ وَالضُمَّرُ الشُقرُ
(1) "زاد المعاد2/60".
(2) في الأصل: أصيحابي .