قال ابن كثير_ رحمه الله_: [قال الإمام أبو جعفر بن جرير_ رحمه الله_: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي, أعني: {اهدنا الصراط المستقيم} : أن يكون معنيًا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته, ووفقت له من أنعمت عليه من النبيين, والصديقين, والشهداء, والصالحين, فقد وفق للإسلام, وتصديق الرسل, والتمسك بالكتاب, والعمل بما أمره الله به, والانزجار عمّا زجره, واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم, ومنهاج الخلفاء الأربعة, وكل عبد صالح, وكل ذلك من الصراط المستقيم.
فإن قيل: فكيف يَسأل المؤمنُ الهداية في كل وقت من صلاة, وغيرها وهو متصف بذلك, فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟.
فالجواب: أن لا, ولولا احتياجه ليلًا, ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك, فإن العبد مفتقر في كل ساعة, وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية, ورسوخه فيها, وتبصره, وازدياده منها, واستمراره عليها.
فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا, ولا ضرًا إلا ما شاء الله, فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت: أن يمده بالمعونة, والثبات, والتوفيق؛ فالسعيد: من وفقه الله تعالى لسؤاله, فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار, وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} الآية, فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل لأن المراد: الثبات, والاستمرار, والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك, والله أعلم.
وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} , وقد كان الصديق_ رضي الله عنه_ يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًا.