ــ قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [وأما اليقين: فهو طمأنينة القلب, واستقرار العلم فيه, وهو معنى ما يقولون: ماء يقن إذا استقر عن الحركة, وضد اليقين: الريب, وهو: نوع من الحركة, والاضطراب, يقال: رابني, يربيني, ومنه في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بظبي حاقف, فقال: لا يريبه أحد. ثم اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب, وعمل القلب, فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر, ومع هذا: فيكون في قلبه حركة, واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه, ولا خالق غيره, وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن: فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله, والتوكل عليه, وقد لا يصحبه العمل بذلك إمّا لغفلة القلب عن هذا العلم_ والغفلة: هي ضد العلم التام وإن لم تكن ضدًا لأصل العلم_, وأمّا للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب, وإما لغير ذلك] (1) .
ويستفاد من هذا أن اليقين ليس مجرد علم القلب بل هو علم القلب المطمئن, المستقر بغير حركة, واختلاج مع ما يمازجه, ويصاحبه من أعمال القلوب من الثقة بالله, والطمأنينة إليه, والتوكل عليه مع الخوف, والخشية, والتعظيم, والإجلال, والإنابة ... إلخ من أعمال القلوب التي هي حقيقة الإيمان.
فإذا تجرّدت هذه الأعمال القلبية عن علم القلب: فليس هذا العلم بـ"اليقين"الذي قصد إليه الشارع, والذي عليه المعوّل عند أهل الإيمان في الثبات على أمر الله بفضله, ورحمته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ويقال_ أيضًا_ لمن لم يتبع ما أيقن به: إنه ليس له يقين, فإنّ اليقين_ أيضًا_: يُراد به العلم المستقر في القلب, ويُراد به العمل بهذا العلم, فلا يطلق الموقن إلا على من استقر في قلبه العلم, والعمل] (2) .
(1) "الفتاوى3/ 329".
(2) "تلبيس الجهمية1/ 525".