فأمر الله تعالى_ أولًا_: باتباع شرعه, ثم نهى_ ثانيًا_ عن اتباع الأهواء, ثم أخبر تعالى بعد ذلك: بأن شرعه, وحكمه: بصائر, وهدى, ورحمة لمن تحلى, واتصف باليقين: فخرج أهل الشك, والريب إذ من أمحل المحال أن يكون الشرع: بصائر, وهدى, ورحمة لمن ينظر إليه, ويتعامل معه وفي قلبه من الشك, والريب: مثقال ذرة فضلًا عمّا فوقه.
فصاحب الشك, والريب_ لشكه, وريبه_ ينظر للشرع بعين النقص, وعدم الأحقية ممّا يؤدي إلى نكوله, ونكوصه, وعدم ثباته على أمر الله عند ورود الأمر, والنهي.
مما يدل_ كما أسلفنا_ على أن الثبات عند ورود الأمر, والنهي: هو_ أساسًا_ ثمرة اليقين بأحقية هذا الشرع, ولذلك: يُثبت اللهُ أهلَ اليقين بشرعه عند هبوب عواصف الآراء, والأهوآء بما تحمله من الشبهات لفتنة الناس عن دينهم: فتنكسر هذه الشبهات متهاوية, وترتد خاسئة حيث ارتطمت بصدور عامرة باليقين في شرع الله, ودينه, وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم, في حين: يُخذل, ويفتن بزيف الشبهات: ضعافُ اليقين, والقاسية قلوبهم.
* وقد جاء عن الحسن_ رحمه الله_ قوله:"قال لقمان لابنه: يا بني, العمل لا يُستطاع إلا باليقين, ومن يضعف يقينه: يضعف عمله" (1) .
ـ وقد قال تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
قال ابن كثير_ رحمه الله_: [قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} , أي عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو: سبيله, ومنهاجه, وطريقته, وسنته, وشريعته, فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله, فما وافق ذلك: قبل, وما خالفه: فهو مردود على قائله, وفاعله كائنًا من كان] (2) .
فنصت الآية نصًا, ظاهرًا, صريحًا على أن ترك ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم, وعدم العمل به, ومخالفته:"فتنة".
(1) "اليقين لابن أبي الدنيا/61: 62".
(2) "تفسير ابن كثير3/ 308".