فقوله تعالى عن الطائفة التي أهمتهم أنفسهم: {يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} : يدل على أن هذه الطائفة ذات شك, وريب في خبر الله تعالى, ووعده مع ما فيه من دلالة على الشك, والريب في حكمه.
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:[ {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} , وهذا استفهام إنكاري, أي: ما لنا من الأمر_ أي: النصر, والظهور_ شيء.
فأساءوا الظن بربهم, وبدينه, وبنبيه, وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله, وأن هذه الهزيمة: هي الفيصلة, والقاضية على دين الله.
قال الله في جوابهم: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} , الأمر يشمل: الأمر القدري, والأمر الشرعي, فجميع الأشياء: بقضاء الله, وقدره, وعاقبتها: النصر, والظفر لأوليائه, وأهل طاعته وإن جرى عليهم ما جرى] (1) .
ولكون هذا الشك, والريب هو آفة القوم: قال تعالى بعد ذلك: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَالله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} , فما في الصدور, والقلوب من الشك, والريب هو الذي أوجب لكم ما أنتم فيه من عدم الثبات على أمر الله.
قال ابن جرير_ رحمه الله_: [ويعني بقوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} : وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك, فيميزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين.
وقد دللنا فيما مضى على أن معاني نظائر قوله: {ليبتلي الله} , {وليعلم الله} , وما أشبه ذلك وإن كان في ظاهر الكلام مضافًا إلى الله الوصف به, فمراد به: أولياؤه, وأهل طاعته, وأن معنى ذلك: وليختبر أولياءُ الله, وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك, والمرض: فيعرفوكم من أهل الإخلاص, واليقين.
(1) "تفسير السعدي/83".