ـ وهذه الآيات كلها ظاهرة الدلالة في أن الشك, والريب في حكم الله, وشرعه, ودينه, وعدم اليقين الجازم الذي لا يخالجه أدنى شك, وريب في أحقيته: سببٌ رئيس للفتنة عن أمر الله, وعدم الثبات عليه: علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا.
ــ ومن الآيات الدالة على الشك, والريب في حكم الله, وأمره القدري (1) :
* قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَالله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
[آل عمران: 154] .
فالشك, والريب, في أمر الله الكوني, القدري بأن ما ينزل بالعبد فبقضاء الله, وقدره: ظاهر على حال القوم من قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} , فكأنهم لا يوقنون بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم, وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وإن حصل العلم النظري, والمعرفة المجردة بذلك, وأن الموت: آجال مقدرة قد فرغ منها.
(فردّ الله عليهم بقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} التي هي أبعد شيء عن مظان القتل: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ} ؛ فالأسباب_ وإن عظمت_ إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر, والقضاء, فإذا عارضها القدر: لم تنفع شيئًا بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة) (2) .
(1) أشرنا من قبل إلى أن اليقين بأمر الله الكوني على المعنى المراد هنا: يرجع إلى اليقين بخبر الله كما يرجع إلى اليقين بحكمه الشرعي, وهنا_ كذلك_, فالشك, والريب في أمر الله الكوني: يرجع إلى الشك, والريب في خبره كما يرجع إلى الشك, والريب في حكمه الشرعي.
(2) "تفسير السعدي/83".