فهرس الكتاب

الصفحة 1623 من 2063

نعم, تستطيع هذه القوة أن تُخضع الجوارح لغير ما تريد أما القلب: فهيهات أن تنفذ إليه.

فلمّا أخذ الله هؤلاء المستضعفين بما كان منهم من ولاء, ومناصرة للطاغوت, وحزبه: عَلمنا أنهم كانوا مختارين لذلك, مريدين له بأكمل ما تكون الإرادة, فهم من أعطى بيده وما ربك بظلام للعبيد.

ولذلك نصّ الله تعالى على أنهم"ظالمون"في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ الْقَوْلَ} , فـ {الظَّالِمُونَ} هنا: قسمان؛ الذي استكبروا, والذين استضعفوا.

فالذين استكبروا: ظالمون ببغيهم, وعتوهم, وطغيانهم, وتمردهم على الله سبحانه وتعالى, وشرعه, ودينه.

والذين استضعفوا: ظالمون بخنوعهم, وخضوعهم, وذلتهم للطغاة, وتعبيدهم أنفسهم لهم بالرغبة, والرهبة من دون الله رب العالمين وكفى بهذا ظلمًا!.

فالأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [الحرية: حرية القلب، والعبودية: عبودية القلب] (1) .

ـ ونحو الآيات السابقة في تقرير كون هذا النوع من"الاستضعاف": جريمة يؤاخذ عليها أصحابها بالعذاب الأليم:

* قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر: 47_ 48] .

تأمّل: {إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} , ومن أعدل من الله حكمًا؟! , فمقتضى العدل الإلهي_ وهو العدل المطلق_: أخْذُ هؤلاء الضعفاء بما صدر منهم من ولاء, ومناصرة, ودفاع عن الطاغوت, ورغم أن الله وصفهم بـ {الضُّعَفَاءُ} : فلم يكن هذا الضعف عذرًا لهم بل كان هو عينه سبب المؤاخذة, والعقاب, والاشتراك في المصير, وبئس المصير.

(1) "الفتاوى10/ 186".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت