{وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} , فـ (هذا_ أيضًا_ من بعض الحكم لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل, ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها, فهذا من رحمته بعباده المؤمنين أنْ قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس لِيُنيلهم ما يحبون من المنازل العالية, والنعيم المقيم) (1) .
ــ وبعد:
فهذه الأمور السابقة هي بعض الحكم التي تظهر للعباد من ابتلاء الله عبادَه القائمين بدينه_ علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا_, وهي_ كما سبق_: حكمٌ عظيمة دالة على كمال علمه, وحكمته سبحانه وتعالى في تدبير ملكه, وتصريف خلقه, وتبقى حكم أخرى لا ندركها إذ حكمة الله أوسع من أن يحيط بها بشر, وبالجملة: فـ (من صحت له معرفة ربه, والفقه في أسمائه, وصفاته: علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه, والمحن التي تنزل به: فيها ضروب من المصالح, والمنافع التي لا يحصيها علمه, ولا فكرته بل مصلحة العبد فيما كره: أعظم منها فيما يحب) (2) .
قال ابن القيم_ رحمه الله_: [فكل ما تراه في الوجود من شر, وألم, وعقوبة, ونقص في نفسك, وفي غيرك: فهو من قيام الرب بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد ظالم، فالمُسلِّط له: أعدل العادلين كما قال لمن أفسد في الأرض: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بًَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا} ] (3) .
(1) "تفسير السعدي/80".
(2) "الفوائد لابن القيم/91: 92".
(3) "مدارج السالكين1/ 425".