ـ ويوم الأحزاب, يوم بلغ البلاء, والكرب من المسلمين مبلغه حتى بلغت القلوب الحناجر, وحتى زلزلوا زلزالًا شديدًا بتعبير القرآن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلّق قلوبَ المسلمين, وأنفسهم لا بزوال هذه المحنة المحيطة بهم إحاطة السوار بالمعصم وإنما بحكم العالَم, فكان صلوات ربي وسلامه عليه_ بأبي هو وأمي_ يُعلق قلوبهم, وأنفسهم بهزيمة فارس, والروم: أقوى قوتين في العالَم يومئذ, وظهور الإسلام عليهما.
ــ (فهكذا كل من قام بالحق: فإنه يمتحن, فكلما اشتدت عليه, وصعبت_ إذا صابر, وثابر على ما هو عليه_: انقلبت المحنة في حقه: منحة, والمشقات: راحات, وأعقبه ذلك: الانتصار على الأعداء, وشفاء ما في قلبه من الداء) (1) .
ــ وبعد, فقد كانت هذه المشاهد السابقة هي بعض ما يشهده أهل الطائفة المنصورة في البلاء الذي يُنزله الله بهم على أيدي أعدائهم, ومخالفيهم في طريق قيامهم بأمر الله_ علمًا وعملًا, دعوةً وجهادًا_.
وبقيام العبد من أهل الطائفة المنصورة بهذه المشاهد: فهو الثابت على أمر الله في مواجهة محن مردة الأنس, والجن وإنْ ساموه ما لا يتخيله بشر؛ فهو:
تزول الجبال الراسيات وقلبه على العهد لا يلوى ولا يتغير (2)
ـ وبتحقق أهل الطائفة المنصورة بهذه المشاهد يغدو البلاء في حقهم_ صدقًا_ منحةً ربانية, ومِنّةً إلهية توجب لهم استفراغ الوسع, وبذل غاية الجهد في شكر المنعم, المتفضّل, الوهاب ظاهرًا, وباطنًا.
* ولقد كان شيخ الإسلام, وعلم الأعلام ابن تيمية الإمام_ رضي الله عنه_ يقول في محبسه الأخير في القلعة والذي مات فيه, كان يقول:"لو بَذلتُ ملء هذه القلعة ذهبًا: ما عَدَل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إليّ فيه من الخير" (3) .
(1) "تفسير السعدي/50".
(2) "مفتاح دار السعادة1/ 127".
(3) "الوابل الصيب لابن القيم/69: 70".