وإذا كان ذلك معناه: دخل في ذلك قول من قال: يحول بين المؤمن والكفر, وبين الكافر والإيمان, وقول من قال: يحول بينه وبين عقله, وقول من قال: يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه: لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما منع إدراكه به على ما بينت أنه ينبغي أن يقال إن الله عمّ بقوله: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} الخبر عن أنه يحول بين العبد وقلبه, ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء, والكلام محتمل كل هذه المعاني, فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له] (1) .
ــ ومن أوجه إضعاف الذنوب, والمعاصي للقوة العملية للعبد: أن الذنوب, والمعاصي تجعل العبد أسيرًا بين يدي أعدائه_ النفس, والهوى, وشياطين الأنس, والجن_: فإن همّ بتوبة أو طاعة: منعه أعداؤه, وأقعدوه عمّا يريد: فلا يملك لهم دفعًا, ولا يملك على نفسه أمرًا, فهم يقودونه حيث شاؤوا.
فـ (العاصي دائمًا في أسر شيطانه, وسجن هواه, فهو أسير, مسجون, مُقيّد, ولا أسير أسوأ حالًا من أسير أَسَرَه أعدى عدو له, ولا سجن أضيق من سجن الهوى, ولا قيد أصعب من قيد الشهوة, فكيف يسير إلى الله, والدار الآخرة قلبٌ مأسور, مسجون, مقيّد؟! , وكيف يخطو خطوة واحدة؟!) (2) .
ــ والمقصود هنا: أن إرادة العاصي تضعف عن تحصيل ما ينفعه, ودفع ما يضره, (فإذا وقع في مكروه, واحتاج إلى التخلص منه: خانه قلبه, ونفسه, وجوارحه, وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ, ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه, فعرض له عدو يريد قتله, فوضع يده على قائم سيفه, واجتهد ليخرجه: فلم يخرج معه, فدهمه العدو, وظفر به.
(1) "تفسير الطبري9/ 217".
(2) "الداء والدواء/150".