ــ فسلامة المحل شرط أساس لوضوح الحق، وظهوره، وانكشافه عند أهل الطائفة المنصورة، ومع فساد المحل، ومرضه: لا تنفع حجة، ولا يفيد دليل، ولا يجدي برهان، ولو كانت هذه الحجج، وتلك الدلائل، والبراهين: أظهر من الشمس في رابعة النهار بل مع فساد المحل، ومرضه: لا ينفع شيء_ إلا أن يشاء الله_ ولو تناطحت الجبال بين يدي ذاك المريض، والأمر لله من قبل ومن بعد .
قال ابن القيم_ رحمه الله_:[ قبولُ المحل لما يوضعُ فيه: مشروطٌ بتفريغه من ضده, وهذا كما أنه في الذوات والأعيان: فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبة: لم يبق فيه لاعتقادِ الحق ومحبتِهِ موضع كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع: لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة: لم يمكن شَغلُها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها .
فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله، وإرادته، والشوق إليه، والأنس به: لا يمكن شغلُهُ بمحبة الله، وإرادته، وحبه، والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره ] (1) .
ــ فقضيةُ من عمى عن الحق، ولم يره_ غالبًا_ ليست في خفاء الحق ذاته، وعدم وضوحه، ولكنها في بنيِّات الطريق التي يسلكها هؤلاء طلبًا للوصول: فيكون الهلاك، ولهؤلاء حق القول:
فنفسَك لُم ولا تَلم المطايا ومت كمدًا فليس لك اعتبارُ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_:
(1) "الفوائد/29".