فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 2063

فالحق عند أهل الطائفة المنصورة: واحد في ذاته لا يتعدد (1) ، أدركه العبد أم أخطئه، وهذا عند أهل الطائفة المنصورة: قانون كلي، وقاعدة مطردة في كل خلاف بين ضدين إذ الضدان: لا يجتمعان، ولا يرتفعان: فلزم ضرورة كون الحق واحدًا، لا يتعدد، والقول بغير ذلك: جمع بين الأضداد، وهذا ممّا يحيله العقل_ فضلًا عن الشرع_ إذ العقل يحيل أن يكون الشيء الواحد: حلالًا, وحرامًا في نفس الوقت، أي: باعتبارات واحدة كما أن هذا القول من شأنه: وصم الشريعة المطهرة بالاضطراب، ورميها بالجمع بين الشيء ونقيضه مع القطع بأنّ مراد الله: واحد؛ أصابه من أصابه، وأخطئه من أخطئه .

ـ وحقيقة الحال: فأن القول بتعدد الحق: هو ثمرة مُرّة من ثمار القول بوجوب التقليد ممّا استلزم القول بصحة الأقوال, والاجتهادات التي صدرت عن أصحابها وإن كانت متضادة تمام التضاد كما أن هذه المسألة ما كان لها أن تأخذ ما أخذته من حيز لولا تشقيقات المتكلمين, وتنظيراتهم الجدلية .

وأصل هذه المقالة من بدع المعتزلة التي أحدثوها كما قال أبو الطيب الطبري_ رحمه الله_:

[ وهم الأصل في هذه البدعة, وقالوا ذلك لجهلهم بمعاني الفقه, وطرقه الصحيحة الدالة على الحق، الفاصلة بينه وبين ما عداه من الشبه الباطلة, فقالوا: ليس فيها طريق أولى من طريق، ولا أمارة أقوى من أمارة، والجميع متكافؤن, وكل من غلب على ظنه شيء: حكم به ... ] (2) .

ومن المعتزلة تلقفها المتكلمون كأبي الحسن الأشعري, ومن بعده: الباقلاني ثم الغزالي, ومنهم سرت, ولذلك قال أبو إسحاق الشيرازي لما بلغته مقالة أبي الحسن الأشعري هذه: [ يقال: إن هذه بقية اعتزال بقي في أبي الحسن رحمه الله, هذا مذهب أصحابنا، ومذهب هؤلاء ] (3) .

(1) وهذا في خلاف التضاد لا التنوع كما يظهر .

(2) "شرح اللمع2/1048".

(3) "المرجع السابق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت