قال أبو المظفر السمعاني_ رحمه الله_: [ ولقد تدبرت فرأيت أكثر من يقول بإصابة المجتهدين: هم المتكلمون الذين ليس لهم في الفقه, ومعرفة أحكام الشريعة: كثيرُ حظ, ولم يقفوا على شرف هذا العلم, وعلى منصبه في الدين, ومرتبته في مسالك الكتاب والسنة, وإنما نهاية رأس مالهم: المجادلات ... ] (1) .
ـ وبذلك يعلم أن ما ينسبه المتكلمون إلى الجمهور من القول بتعدد الحق: هو دعاوى مجردة شأنهم فيها كشانهم في حكاية هذه النسبة في كثير من مسائل الأصول مع كون الأمر على العكس تمامًا كما سنبين هنا, وقد خلط المتكلمون هنا بين أمرين: بين ما أراده الله من عباده, وبين وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد إذ لله تعالى حكمان؛ الأول: هو ما أراده, وشرعه, ونصب عليه الدلائل, والأمارات ليتوصل له المجتهدون, والثاني: وجوب العمل بما أدى إليه الاجتهاد, فنظر المتكلمون إلى الثاني ولم ينظروا إلى الأول كما لم يحرروا الفرق بينهما ببيان أن الثاني قد يفارق الأول, ولا يستلزمه .
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_: [ والمشهور: أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد عدا الجاحظ, والعنبري, وأما ما لا قطع فيه, فقال الجمهور_ أيضًا_: المصيب واحد, وقد ذكر ذلك الشافعي, وقرره, ونُقِلَ عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب, وأن حكم الله تابع لظن المجتهد, وقال بعض الحنفية, وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده وإن لم يُصب ما في نفس الأمر: فهو مخطىء, وله أجر واحد ] (2) .
بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ قول عامة السلف, والفقهاء أن حكم الله: واحد، وأن من خالفه باجتهاد سائغ: مخطئ معذور, مأجور ... ] (3) .
ــ وقد دلّ الشرع المطهر دلالة لا تحتمل مكابرة على أن الحق واحد لا يتعدد:
(1) "قواطع الأدلة2/323".
(2) "فتح الباري7/409: 410", وانظر:"جمع الجوامع2/429".
(3) "الفتاوى20/268".