فهرس الكتاب

الصفحة 1799 من 2063

ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة، ويمضي مع نزواته الخليعة, ويلصق بالوحل, والطين حاسبًا أنه يستمتع, وينطلق من الأغلال, والقيود, وتعز في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة, وكل طيبة حلال، ولا يبقى إلا المشروع الآسن، وإلا الوحل, والطين.

وينظر المؤمن من عَلٍ إلى الغارقين في الوحل, اللاصقين بالطين, وهو مفرد, وحيد: فلا يهن, ولا يحزن، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر، وينغمس في الحمأة وهو الأعلى بمتعة الإيمان, ولذة اليقين.

ويقف المؤمن قابضًا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد عن الدين، وعن الفضيلة، وعن القيم العليا، وعن الاهتمامات النبيلة، وعن كل ما هو طاهر نظيف جميل.

ويقف الآخرون هازئين بوقفته، ساخرين من تصوراته، ضاحكين من قيمه: فما يهن المؤمن وهو ينظر من عَلٍ إلى الساخرين, والهازئين, والضاحكين، وهو يقول كما قال واحد من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان العريق الوضئ في الطريق اللاحب الطويل: نوح عليه السلام: {قال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} .

وهو يرى نهاية الموكب الوضئ, ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى: {الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .

وقديمًا قص القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت