فبعد أن ذكر تعالى أنه يريد_ وهل لإرادة الله من دافع؟!!! _ أن يَمُنّ على المستضعفين بالنصر, والتمكين, والعلو, والإمامة في الأرض, والانتقام من الكفرة الجبابرة وجنودهم, قال: {وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ... } الآية!!!.
وهذا دال على (أن الله تعالى إذا أراد أمرًا: هيّأ أسبابه, وأتى بها شيئًا, فشيئًا بالتدريج لا دفعة واحدة) (1) .
ـ وفي ذلك: أن النصر, والتمكين وإن كان وصفًا ثابتًا في حق الطائفة المنصورة كونَه ممّا أراده الله لها, وكتبه عليها إلا أنه قد يتأخر عنها وقتًا ليس بالقليل باعتبار ميزان البشر_ وإن كان لا يُعدّ شيئًا بالنظر لحركة الكون ككل_, وتأخره عنها لا ينفي أنه وصف ثابت لها!.
* وممّا قيل في قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [يونس: 88_89] .
قال ابن جريج_ رحمه الله_:"يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة" (2) .
تأمّل:"أربعين سنة"رغم قوله تعالى مباشرة عقب دعاء نبيه, ورسوله موسى عليه السلام: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} !.
فالأمر قد فُرغ منه عند الله تعالى بإهلاك الفئة الطاغية غير أن تحققه في دنيا الناس يَجري وفقًا لسنن الله الثابتة في الكون من ربط المسببات بأسبابها ممّا قد يؤخره حينًا من الزمن وتأخيره لا يعني أبدًا تخلفه أو كونه وصفًا غير ثابت لمحله!.
(1) "تفسير السعدي/448".
(2) "تفسير الطبري11/ 161".