وقد يبطىء النصر: لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها, وبذلها, وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه أو تقاتل حمية لذاتها أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها؛ والله يريد أن يكون الجهاد له وحده, وفي سبيله بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه ...
كما قد يبطىء النصر: لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير يريد الله أن يجرّد الشر منها ليتمحض خالصًا، ويذهب وحده هالكًا لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار.
وقد يبطىء النصر: لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا؛ فلو غلبه المؤمنون حينئذ: فقد يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه لم يقتنعوا بعد بفساده, وضرورة زواله؛ فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة؛ فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية.
وقد يبطىء النصر: لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق, والخير, والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة؛ فلو انتصرت حينئذ: للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار؛ فيظل الصراع قائمًا حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه) (1) .
ــ ولعل الحكمة الرئيسة_ والله أعلم_ من تأخر النصر, والتمكين هو أن القيام على تطبيق منهج الله في الأرض كتابًا, وسنة, إخلاصًا واتباعًا: مسئولية ضخمة, وأمانة عظيمة بل هي أضخم مسئولية, وأعظم أمانة في هذا الكون من الممكن أن تُوكَل إلى بشر, والله سبحانه وتعالى يريد أن تقع هذه المسئولية, وهذه الأمانة في يد من يكونون_ حقًا_ أهلًا للقيام بها كما يحب الله ويرضى والأمر هنا ليس بما يظنه العبد في نفسه؛ فكم من شخص يظن في نفسه القدرة, والصلاحية للقيام بهذه المسئولية, وتحمل هذه الأمانة ويكون الأمر بخلاف ذلك تمامًا, ومَنْ كان دون قضيته: أورثها ضعفًا ولا بد!.
(1) "في ظلال القرآن/2425:2427".