قال بعض العلماء: كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك وجعل فرض كفاية؛ قال ابن عطية: وهذا الذي قاله لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأمة جميعًا النفر وإنما معنى هذه الآية: الحض على قتالهم, والتحزب عليهم, وجمع الكلمة ثم قيدها بقوله: {كما يقاتلونكم كافة} ؛ فبحسب قتالهم, واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم, والله أعلم] (1) .
قلت: فالآية بهذا التقرير آمرة بوحدة الصف, والتلاحم في وجه المشركين الذين يجتمعون علينا.
* وقد جاء عن السدي_ رحمه الله_ في هذه الآية:"أمّا {كافة} , فجميع, وأمركم مجتمع" (2) .
قال ابن جرير الطبري_ رحمه الله_: [فإنه يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله أيها المؤمنون جميعًا غير مختلفين, مؤتلفين غير مفترقين كما يقاتلكم المشركون جميعًا مجتمعين غير متفرقين] (3) .
* وقد قال تعالى_ كذلك_: {إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] .
ومن أحبه الله: نصره, ومكّنه, وتأمّل قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ} إذ يوحي, ويدل على شدة وحدة ذلك الصف, فأهله: متحدون, مجتمعون, متماسكون, متلاحمون كالبنيان لا توجد بينهم ثغرة واحدة ينفذ منها شياطين الأنس, والجن ليوقعوا بينهم الفرقة, والنزاع.
ــ وقد كثر في كلام أئمة الطائفة المنصورة: الأمر بالاجتماع, والحرص على وحدة الصف, والنهي عن الفرقة والنزاع, وبيان أن ذلك من أسباب النصر, والتمكين؛ ومن ذلك:
* قول عبد الله بن مسعود_ رضي الله عنه_:"يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة: هو خير ممّا تستحبون في الفرقة" (4) .
(1) "تفسير القرطبي8/ 136".
(2) "تفسير الطبري10/ 128".
(3) "تفسير الطبري10/ 128".
(4) "تفسير الطبري4/ 32".