والمراد من الآية: أنه إن لم يوال المؤمنون بعضهم بعضًا كما يفعل الكافرون: تكن فتنة, وفساد كبير، وذلك لأن الكافرين مجتمعون يواجهون المؤمنين وهم متفرقون, متنازعون: فيقتلونهم, ويعذبونهم, ويفتنونهم عن دينهم, ويُعْلُون أحكام الكفر؛ فأي فتنة, وفساد أعظم من هذا؟!.
فـ"الفتنة", و"الفساد الكبير"_ لا النصر, والتمكين_ بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من معان, ودلالات, وصور: عاقبة غياب الموالاة بين المؤمنين أو ضعفها, والموالاة لا تغيب أو تضعف_ أساسًا_ إلا مع التفرق, والتنازع.
وفي الآية: أن الاجتماع, والوحدة التي تتحقق بالموالاة بين المؤمنين: هي الدعامة الأساسية_ بعد تحقيق التوحيد, والاتباع_ لإقامة الدين في مواجهة أعدائه.
بل في الآية: أن الاجتماع, والوحدة القائمة على الموالاة الإيمانية: هي المقوم العملي الظاهر الأول في الوقوف أمام أعداء الدين ذوي الولاء الكفري، ولذا كانت المقوم العملي الظاهر الأول لدفع الفتنة_ بأنواعها المختلفة_، والفساد الكبير.
وعند التفرق والتنازع لا يتحقق الولاء الإيماني بين أهله ضرورة، ومن ثم: يتوزع المسلمون شيعًا وأحزابًا، وتنتهبهم الفرقة: فتضيع وحدتهم, واجتماعهم أمام أعدائهم: فتكون الفتنة، ويكون الفساد الكبير لا النصر, والتمكين.
فالإيمان ثم الوحدة القائمة عليه: (ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما: لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه) (1) .
ورحم الله سيدًا حيث يقول: [المسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد، والقيادة الواحدة: يتحملون أمام الله_ فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها_ تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الكبير] (2) .
(1) "في ظلال القرآن/442".
(2) "المرجع السابق/1560".