ـ ويوم أن ركن بعض المسلمين إلى عددهم, وعدتهم: كانت الهزيمة تعليمًا من الله سبحانه وتعالى لهم أن الأسباب المادية لا تغني شيئا إلا بإذن الله, وردًا لهم للأصل المحفوظ من كون النصر من عنده سبحانه, وبيده هو وحده, فعليه, وعليه وحده: يكون الاعتماد.
* قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمْ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ}
[التوبة: 25_ 27] .
وتأمّل قوله تعالى في مفتتح هذه الآيات: {لَقَدْ نَصَرَكُمْ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} حيث ذكَّرهم سبحانه أنه نصرهم في مواطن كثيرة دون هذه الأسباب المادية التي أعجبوا بها، وأنهم لمّا أعجبوا, وركنوا إلى العدد, والعدة: لم تغن عنهم شيئًا: فهُزِموا ثم نصرهم الله بعد الهزيمة ليبين لهم أن النصر من عنده لا بالركون إلى الأسباب المادية من دونه سبحانه, فردّهم سبحانه بالهزيمة إلى الأمر الأول الذي غاب عن البعض؛ وهو: {وما النصر إلا من عند الله} .
ــ ولذا, فقاعدة أهل الطائفة المنصورة هنا والتي تجمع فقه هذا الباب, وتبين وسطيتهم فيه: هي أن (الالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد, ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقصٌ في العقل, والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدحٌ في الشرع) (1) .
(1) "الفتاوى لابن تيمية8/ 70, 528".