ويَرد هذا الدليل على وجه آخر, وهو أن تحليل الشيء وتحريمه, وإفساده وتصحيحه: لا يجوز ورود الشرع به, ولو جاز ذلك: لورد النص به, فيقول: النبيذ حلال, حرام, والنكاح بلا ولي: باطل, صحيح على هذه الصفة, وما لا يجوز ورود الشرع به: لم يَجز أن يَرد عليه النظر, والاجتهاد, بَيّنَ صحة هذا: أن النظر, والاجتهاد نتيجة النص, والإجماع, فإذا استحال أن يدل النص, والإجماع على تحليل الشيء, وتحريمه على الإطلاق: استحال أن يدل عليهما النظر, والاجتهاد إذ لا يجوز أن تدل نتيجة الشيء على ما لا يدل عليه أصله ) (1) .
ـ قال ابن حزم_ رحمه الله_: [ مسألة: والحق من الأقوال في واحد منها وسائرها خطأ، وبالله تعالى التوفيق.
قال الله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } , وقال تعالى: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ، وذم الله الاختلاف فقال: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } , وقال تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا} , وقال تعالى: { تبيانا لكل شيء } .
فصح: أن الحق في الأقوال ما حكم الله تعالى به فيه, وهو واحد, لا يختلف, وأن الخطأ ما لم يكن من عند الله عز وجل .
ومن ادعى أن الأقوال كلها حق، وأن كل مجتهد مصيب: فقد قال قولًا لم يأت به قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا معقول، وما كان هكذا: فهو باطل .
ويبطله_ أيضًا_: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتهد الحاكم فأخطأ: فله أجر": فنص عليه الصلاة والسلام أن المجتهد قد يخطىء .
ومن قال إن الناس لم يكلفوا إلا اجتهادهم: فقد أخطأ بل ما كلفوا إلا إصابة ما أمر الله به .
(1) "التبصرة/502: 504", ونحوه في"قواطع الأدلة للسمعاني2/316".