فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 2063

ـ ومن العجيب هنا: أن كتب القائلين بأن كل مجتهد مصيب، وأن الحق يتعدد: طافحة بالرد على مخالفيهم، والإنكار عليهم بعبارات لا تخلو من رعونة وشدة، هذا مع تطويلهم النفس، وكثرة تفريعهم في الانتصار لأقوالهم، ورد أقوال مخالفيهم، ولو كان الحق يتعدد، وكان كل مجتهد مصيبًا في نفس الأمر: لكان الخطب أهون بكثير من هذا، فهذا المسلك منهم: إقرار عملي بأن الحق واحد في نفس الأمر، وأنه هو ما يسعى كل مجتهد لإدراكه: أدركه أم أخطئه .

قال أبو إسحاق الشيرازي_ رحمه الله_: [ ويدل عليه إجماع الأمة على وجوب النظر, والاستدلال في ترتيب الأدلة, وبناء بعضها على بعض, ولو كان الجميع حقًا, وصوابًا: لم يكن للنظر, والاجتهاد معنىً, وربما عُبّر عن هذا بأن الناس قد اتفقوا على حسن النظر, وعقد المجالس به, ولو كان الجميع حقًا, وصوابًا: لم يكن للنظر معنى, ولا لعقد المجالس بسببه وجه إذ لا يجوز أن يُناظر بعضهم بعضًا على أمر هو: حق, وصواب كما لا يجوز أن يُناظر بعضهم بعضًا على ترك ما أجمعوا عليه من الأحكام ] (1) .

ـ ثم إنّا نقول: ( إن القولين المتضادين في مسائل الاجتهاد كالتحليل والتحريم, والإيجاب والإسقاط, والتصحيح والإفساد: لا يخلو إمّا أن يكونا صحيحين أو فاسدين أو أحدهما صحيحًا, والآخر فاسدًا, ولا يجوز أن يكونا صحيحين لأن ذلك يوجب أن يكون الشيء الواحد: حلالًا وحرامًا, صحيحًا فاسدًا, حسنًا قبيحًا: وذلك مستحيل, ولا يجوز أن يكونا فاسدين لأن ذلك يؤدي إلى إجماع الأمة على الخطأ: فثبت أن أحدهما: صحيح, والآخر: باطل ...

(1) "التبصرة/501", ونحوه في"قواطع الأدلة للسمعاني2/318".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت